زكريا القزويني

183

آثار البلاد واخبار العباد

حلب مدينة عظيمة كثيرة الخيرات طيّبة الهواء صحيحة التربة . لها سور حصين وقلعة حصينة . قال الزّجّاجيّ : كان الخليل ، عليه السلام ، يحلب غنمه بها ويتصدّق بلبنها يوم الجمعة فيقول الفقراء : حلب ، فسمّيت بذلك ، ولقد خصّ اللّه تعالى هذه المدينة ببركة عظيمة من حيث يزرع في أرضها القطن والسمسم والبطّيخ والخيار والدخن والكرم والمشمش والتفاح والتين عذيا يسقى بماء المطر ، فيأتي غضّا رويّا يفوق ما يسقى بالسيح في غيرها من البلاد ؛ قال كشاجم : أرتك يد الغيث آثارها * وأخرجت الأرض أزهارها وما منعت جارها بلدة * كما منعت حلب جارها هي الخلد يجمع ما تشتهي * فزرها ، فطوبى لمن زارها والمدينة مسوّرة بحجر أسود ، وفي جانب السور قلعة حصينة لأن المدينة في وطاء من الأرض . وفي وسطها جبل مدوّر مهندم والقلعة عليه . ولها خندق عظيم وصل حفرد إلى الماء ، وفي وسطه مصانع للماء المعين وجامع وبساتين وميدان ودور كثيرة ، وفيها مقامان للخليل ، عليه السلام ، يزاران إلى الآن . وفيها مغارة كان يجمع الخليل فيها غنمه . وفي المدينة مدارس ومشاهد وبيع ، وأهلها سنّية وشيعية . وبها حجر بظاهر باب اليهود على الطريق ، ينذر له ويصبّ عليه الماورد المسلمون واليهود والنصارى ؛ يقولون : تحته قبر نبيّ من الأنبياء ، وفي مدرسة الحلاوى حجر على طرف بركتها كأنّه سرير ، ووسطه منقور قليلا يعتقد الفرنج فيه اعتقادا عظيما ، وبذلوا فيه أموالا فلم يجابوا إليه . ومن عجائبها سوق الزجاج ، فإن الإنسان إذا اجتاز بها لا يريد أن يفارقها ،